السبت، 25 أبريل 2026

ما وراء ظاهرة نظام الطيبات والدكتور ضياء العوضي - محاولة للتأمل

 

تابعت الدكتور الراحل ضياء العوضي، وسعدت بمقابلته وجهًا لوجه طلبًا لاستشارته كطبيب. ما يرد على ذهني الآن، متألمًا لما آلت إليه مصائره، أن ضياء العوضي كان رجلًا، شجاعًا، وكان عبقريًا في اختصاصه، ولم ينل ما استحق، وما استحق ما أصابه.

ولكن الأمر تجاوز في تداعياته ما يمكن لمثل ما طرحه أن يحدث من تفاعل عادي بين مؤيد ومعارض وطالب للفهم ليصبح ظاهرة اجتماعية يتعين فهمها، وهنا أحاول الاجتهاد بشأنها.

(1)

ما أهتم بشأنه شخصيًا فيما طرحه د. ضياء العوضي يقتصر على الشق العلمي: آلية حدوث الأمراض وكيف يعمل الجسم. بغض النظر عن درجة الصحة فيما قال، فلست أهلًا للحكم رغم اعتقادي ببلوغه نصيبًا كبيرًا منها لاتساق ما يقول والمنطق، فالمؤكد أنه أبرز نقطة ضعف حقيقية ومركزية في الطب الشائع، والحق أن أحدًا لم يتمكن من تفنيد طرحه حتى اللحظة علميًا، رغم الجلبة.`

خبر كل إنسان تقريبًا هذا النموذج: طبيب غير مكترث يطبق بروتوكولات محفوظة لا تثمر شيئًا. هذا سر الاهتمام الأول بما قال، وما يقال في الرد عليه بأن طرحه لا يطابق البروتوكولات لا يعتبر ردًا أصلًا، كذلك: من أنت لتخالفها؟ للرجل إسهام مفصل اجتهد لساعات طويلة عبر سنوات في تبسيطه ولكنه بلا "مرجعية".

مع شدة الهجوم عليه، لجأ بحكم شخصيته إلى مرجعية بديلة يمكن للناس العادية قبولها وهو يؤمن بها حقا، لا يستخدمها: الدين. هنا بدأت الظاهرة الاجتماعية، سواء لجهة تعامله كمتعلم مع مجال تخصصه أو لتفاعل الناس الذين احتاجوا غطاء للكفر بالطب والأطباء، وهم لذلك مؤهلون، ولكن جلهم من المتعلمين وقد أتى هو - كطبيب -  ليرفع عنهم الحرج بالاتساق مع أنفسهم وإعلان هذا الكفر. أضف إلى هذا أن الأطباء بمصر لصوص فعلًا في غالبهم ويطبقون آليات علاج متكررة شديدة الفشل حقًا!

(2)

العامة ليسوا أهلًا للفصل في خلاف علمي دقيق! المرجعية هي مبادئ العلم نفسه خاصة وهو يحمل درجة الدكتوراة، كان عليه أن ينشر بحثًا أو كتابًا. لم يحدث ذلك.

تفاعل تدينه مع تاريخه الشخصي ومواجهته - الشجاعة - لاضطهاد حقيقي فأنتج ما يمكن تسميته استعارة محمدية. تلبسته تلك الحالة بالتدريج وأنتجت مأساتين: الأولى القضاء على حياته الخاصة (ولا أعني بالضرورة ملابسات رحيله المأساوي) والثانية الإساءة إلى ما بطرحه العلمي من وجاهة وسط ضجيج تافه.

أما المأساة الشخصية فتحول طبيب نابه للاعتقاد بكونه مرسلًا وأن مهمته الدعوة إلى الله، وكلما زادت الأثمان التي يدفعها زاد الانغماس. تتابعات حتمية جعلته يفارق حياته العادية تدريجيًا. كأنها مأساة إغريقية.

(له فلسفة خاصة في فهم الإسلام، عميقة ضمن حدود هذا النوع من التأملات بعموم).

وأما الإساءة إلى طرحه فبطمسه تحت ما لا طائل منه، كالتورط تحت توهم الرسالة هذا في الجزم بغير المثبت أو الحديث في أمور شخصية أو عامة بآراء متطرفة. كذا مفارقة الأسلوب اللائق في مخاطبة المرضى. أن يصبح طرحه الطبي مادة في السجال بين الجهلة الإسلاميين ونظرائهم التنويريين!

حالة التشتت تلك وضعته في خانة لا تليق بعلمه الحقيقي، كأن يربطه بعض المثقفين مثلا بجهاز "الكفتة" الشهير! أو أنه يود علاج السرطان بالنوتيلا! وهذا كله هراء محض لا يصدر إلا عن شخص لم يحاول استخلاص طرحه من وابل اللغط الديني والذاتي، وهي للحق مهمة صعبة، والراحل هو من سبب صعوبتها.

(وبحكم الاشتراك مع د. ضياء في الخلفية الاجتماعية والتقارب في العمر والخلفية العقائدية للأهل، فلم أصدم من أي رأي متطرف أدلى به؛ من تغليب النقل على العقل إلى المرأة وحتى عبد الحليم حافظ! كل هذا قديم وقائم وحقيقي لجهة علاقته بسياق متخلف لبلد لم ينجز تحرره الوطني والاجتماعي).

(3)

يصور أتباعه كجهلة وضحايا الوهم، وبينهم من هم كذلك (ومؤمنون بالطاقة والأرض المسطحة وما إلى ذلك)، ويصور كدجال وما هو بذلك. تقديري أنه لم يملك الفصل بين موروثه المضاد للعلم بالعمق والقشرة العلمية التي أتقنها ولكنها لم تفلح في المقاومة. هذا ما يستحق الدراسة بتقديري وفهم سياقاته: لماذا لا يكون العلم في بلادنا غير قشرة ولماذا يحاول اكتساب الشرعية من أرضية أخرى.

أما فكرته العلمية ذاتها، والخاصة بالتشافي الذاتي كخاصية للجسم ورفع الضغط الخارجي عنه عبر ضبط مدخلات الطعام والشراب، لتركه يعمل وما يمكن أن ينتج عن هذا في مسار التشافي والصحة العامة، فأعتقد أن الزمن سينصفه كطبيب ومنظر طبي، بأكثر مما أنصف هو نفسه حيًا.

 

الأحد، 15 مارس 2026

عن رواية "الاعترافات" - لربيع جابر

 

البنية، العامة وفي الفصل الأول خاصة، مذهلة، لبساطتها بالذات. كذلك التأريخ بالغ الدقة المشغول طبيعيا وسط النص (وهي تجربة متكررة لي مع الكاتب)، فتكون هناك كقارئ دون أن "تشعر" بذرة افتعال رغم علمك بقصدية الكاتب بطبيعة الحال.


الموضوع محلي، شديد المحلية، ولكن زاوية السرد - اضطراب الهوية وخداع الذاكرة ـ تجعل منه نصا قابلا للقراءة في أي بقعة من الأرض وبشكل عابر للزمن. الزاوية نفسها تجعل تمرير ما يمكن تسميته بالانحياز السياسي شفيفا بلا فجاجة مقتصرا أثره على دفعك كقارئ إلى إعادة التفكير في الأحداث.

الأربعاء، 25 فبراير 2026

عن كتاب "إصلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان" للعفيف الأخضر

 

يتضمن إشارات مثيرة للاهتمام ولكن موضوعه الرئيس ساذج جدا بحيث لا يرقى إلى مناقشته ولو من موضع المختلف: إدخال الدين إلى ورشة لإصلاحه بحيث يتم استبدال مكوناته ليتماشى مع دين أرقى هو حقوق الإنسان، ويتم هذا قسرا عبر مستبد راع يقوم بتدريس علوم الأديان فتقع المقارنة بنشر العلم وتتحقق الاستنارة بتهذيب التدين خلال جيل واحد!

إفلاس ليبرالي. أما الإصلاح الديني الحقيقي فيكون من الداخل في ظرف وسياق ضاغطين لتخليقه وباستخدام أدوات متسقة من مؤمنين مصلحين وفق قوانين التاريخ، وإن كانوا غير مدركين لها.

الأحد، 4 يناير 2026

 

لا يمكن للدور الإقليمي لبلد ما أن يتجاوز الحد غير المرئي الذي ترسمه التناقضات الاجتماعية الداخلية به، ولا يكون قابلا للاستمرار بغير حامل طبقي محلي يثمن العوائد الممكنة بما يبرر تحمل الكلفة.

الجمعة، 17 أكتوبر 2025

 

الأهم في كل ما حدث، وبمعزل عن حدود إيران وقيودها الداخلية، إعادة الاعتبار للقدرة الذاتية والعلم والمقاومة والتحمل عبر العقود، وما حدث من إيلام في الكيان وتخريب وإلقاء في المخابئ. ما وقع وقع في لاوعي شعوبنا، كالمياه الجوفية، منتظرا المادية التاريخية كي تمهد له سبل الاستخراج!

بخصوص الثمن: تلك منطقة كثيرة الأجساد، والعدو الطبقي مأزوم عالميا ولا يقبل بإلقاء فتات. أي مواجهة سيكون ثمنها الكثير والكثير من المجازر. يتعين قبول هذا، ولا يكون مقبولا إلا بشروط: (1) دنيوية الهدف: الحياة الكريمة – (2) تكتيكات دنيوية تود النصر، لا الشهادة – (3) تنظيف التحالفات طبقيا.

الاثنين، 6 يناير 2025

دور الفكر


بحسب سلامة كيلة، وأوافقه، فإن دور الفكر - فوق صياغة البنية القائمة في قالب نظري - هو كسر بنية الوعي السائد لتأسيس وعي جديد: صياغة الحلم (عبر تناول الواقع). وعي البشر يعيد تشكيل الحلم في إطار المحدد المادي. هذا معنى تدمير الفلسفة - القديمة ـ والسعي لاستبدالها بالعلم النظري.

من هنا تتضح مقولة أن تغيير العالم أهم من تفسيره، في ضوء استحالة الإحاطة الشاملة للفكر المجرد بمعزل عن الواقع، ولأن واقعية مصدر الفكر، في التحليل الأخير، تعيق إطلاقه. التفسير لأجل التغيير من موقع محدد وبما لا يتعارض مع نزاهة الطرح والمنهجية. تجنب خداع الذات والغير.

 

الأحد، 5 يناير 2025


النزعة الإنسانية المقبولة تتواضع إلى أخلاقيات وجودية بشقيها الفردي والاجتماعي، في ظل الفكر المادي ووعي ضرورة محددات وجود المرء. كذا تتواضع الفلسفة لتحليل الوعي نفسه لجهة علاقته بموضوعه.