تابعت الدكتور الراحل ضياء العوضي، وسعدت بمقابلته وجهًا لوجه
طلبًا لاستشارته كطبيب. ما يرد على ذهني الآن، متألمًا لما آلت إليه مصائره، أن
ضياء العوضي كان رجلًا، شجاعًا، وكان عبقريًا في اختصاصه، ولم ينل ما استحق، وما
استحق ما أصابه.
ولكن الأمر تجاوز في تداعياته ما يمكن لمثل ما طرحه أن يحدث من
تفاعل عادي بين مؤيد ومعارض وطالب للفهم ليصبح ظاهرة اجتماعية يتعين فهمها، وهنا
أحاول الاجتهاد بشأنها.
(1)
ما أهتم بشأنه شخصيًا فيما طرحه د. ضياء العوضي يقتصر على الشق العلمي:
آلية حدوث الأمراض وكيف يعمل الجسم. بغض النظر عن درجة الصحة فيما قال، فلست أهلًا
للحكم رغم اعتقادي ببلوغه نصيبًا كبيرًا منها لاتساق ما يقول والمنطق، فالمؤكد
أنه أبرز نقطة ضعف حقيقية ومركزية في الطب الشائع، والحق أن أحدًا لم يتمكن من تفنيد
طرحه حتى اللحظة علميًا، رغم الجلبة.`
خبر كل إنسان تقريبًا هذا النموذج: طبيب غير مكترث يطبق
بروتوكولات محفوظة لا تثمر شيئًا. هذا سر الاهتمام الأول بما قال، وما يقال في
الرد عليه بأن طرحه لا يطابق البروتوكولات لا يعتبر ردًا أصلًا، كذلك: من أنت
لتخالفها؟ للرجل إسهام مفصل اجتهد لساعات طويلة عبر سنوات في تبسيطه ولكنه بلا
"مرجعية".
مع شدة الهجوم عليه، لجأ بحكم شخصيته إلى مرجعية بديلة يمكن
للناس العادية قبولها وهو يؤمن بها حقا، لا يستخدمها: الدين.
هنا بدأت الظاهرة الاجتماعية، سواء لجهة تعامله كمتعلم مع مجال تخصصه أو لتفاعل
الناس الذين احتاجوا غطاء للكفر بالطب والأطباء، وهم لذلك مؤهلون، ولكن جلهم من
المتعلمين وقد أتى هو - كطبيب - ليرفع
عنهم الحرج بالاتساق مع أنفسهم وإعلان هذا الكفر. أضف إلى هذا أن الأطباء بمصر
لصوص فعلًا في غالبهم ويطبقون آليات علاج متكررة شديدة الفشل حقًا!
(2)
العامة ليسوا أهلًا للفصل في خلاف علمي دقيق! المرجعية هي مبادئ
العلم نفسه خاصة وهو يحمل درجة الدكتوراة، كان عليه أن ينشر بحثًا أو كتابًا. لم
يحدث ذلك.
تفاعل تدينه مع تاريخه الشخصي ومواجهته - الشجاعة - لاضطهاد
حقيقي فأنتج ما يمكن تسميته استعارة محمدية. تلبسته تلك الحالة بالتدريج وأنتجت
مأساتين: الأولى القضاء على حياته الخاصة (ولا أعني بالضرورة ملابسات رحيله المأساوي)
والثانية الإساءة إلى ما بطرحه العلمي من وجاهة وسط ضجيج تافه.
أما المأساة الشخصية فتحول طبيب نابه للاعتقاد بكونه مرسلًا وأن
مهمته الدعوة إلى الله، وكلما زادت الأثمان التي يدفعها زاد الانغماس. تتابعات
حتمية جعلته يفارق حياته العادية تدريجيًا. كأنها مأساة إغريقية.
(له فلسفة خاصة في فهم الإسلام، عميقة ضمن حدود هذا النوع من
التأملات بعموم).
وأما الإساءة إلى طرحه فبطمسه تحت ما لا طائل منه، كالتورط تحت
توهم الرسالة هذا في الجزم بغير المثبت أو الحديث في أمور شخصية أو عامة بآراء متطرفة.
كذا مفارقة الأسلوب اللائق في مخاطبة المرضى.
أن يصبح طرحه الطبي مادة في السجال
بين الجهلة الإسلاميين ونظرائهم التنويريين!
حالة التشتت تلك وضعته في خانة لا تليق بعلمه الحقيقي، كأن
يربطه بعض المثقفين مثلا بجهاز "الكفتة" الشهير! أو أنه يود علاج
السرطان بالنوتيلا! وهذا كله هراء محض لا يصدر إلا عن شخص لم يحاول استخلاص طرحه
من وابل اللغط الديني والذاتي، وهي للحق مهمة صعبة، والراحل هو من سبب صعوبتها.
(وبحكم الاشتراك مع د. ضياء في الخلفية الاجتماعية والتقارب في
العمر والخلفية العقائدية للأهل، فلم أصدم من أي رأي متطرف أدلى به؛ من تغليب
النقل على العقل إلى المرأة وحتى عبد الحليم حافظ! كل هذا قديم وقائم وحقيقي لجهة
علاقته بسياق متخلف لبلد لم ينجز تحرره الوطني والاجتماعي).
(3)
يصور أتباعه كجهلة وضحايا الوهم، وبينهم من هم كذلك (ومؤمنون
بالطاقة والأرض المسطحة وما إلى ذلك)، ويصور كدجال وما هو بذلك. تقديري أنه لم
يملك الفصل بين موروثه المضاد للعلم بالعمق والقشرة العلمية التي أتقنها ولكنها لم
تفلح في المقاومة. هذا ما يستحق الدراسة بتقديري وفهم سياقاته: لماذا لا يكون
العلم في بلادنا غير قشرة ولماذا يحاول اكتساب الشرعية من أرضية أخرى.
أما فكرته العلمية ذاتها، والخاصة بالتشافي الذاتي كخاصية للجسم
ورفع الضغط الخارجي عنه عبر ضبط مدخلات الطعام والشراب، لتركه يعمل وما يمكن أن
ينتج عن هذا في مسار التشافي والصحة العامة، فأعتقد أن الزمن سينصفه كطبيب ومنظر
طبي، بأكثر مما أنصف هو نفسه حيًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق